المقالات العلمية المنشورة

توضع أرقام المقالات العلمية مع اعداد المجلة وترتيبها ورقم البحث والباحث مع عنوان بحثه، وكلماته المفتاحية


د. عمر الدريسي

أستاذ التعليم العالي مؤهل بكلية الشريعة (فاس)

الملخص:

تُبرِزُ هذه الدراسة التحديات التي تواجه تدريس مادة الفقه في الجامعات، وتؤكد على ضرورة إصلاح المنهج الدراسي لتحقيق جودة التعليم الفقهي. حيث تشير إلى تفكك منظومة العلوم الشرعية وضعف الإنتاج الفقهي المعاصر، مع غياب منهج واضح يربط بين الأصول الفقهية ومستجدات العصر. وتوصي الدراسة بتبني منهج تكاملي يجمع بين أفضل ما في المناهج التقليدية والحديثة، مع التركيز على ربط الفقه بالواقع وتنمية الملكة الفقهية لدى الطلاب. كما تؤكد على أهمية ربط الدرس الفقهي بأصول الفقه وفقه الواقع، والانتقال من الحفظ إلى التحليل والاستنباط لمواكبة النوازل المعاصرة.

الكلمات المفتاحية: - إصلاح المنهج الدراسي - جودة التعليم الفقهي - منهج تكاملي - ربط الفقه بالواقع - الملكة الفقهية - النوازل المعاصرة.

Abstract

This study highlights the challenges facing the teaching of Islamic jurisprudence (Fiqh) in universities and emphasizes the necessity of curriculum reform to achieve quality Fiqh education. It points to the disintegration of the system of Islamic sciences and the weakness of contemporary Fiqh production, along with the absence of a clear curriculum that connects jurisprudential principles with contemporary developments. The study recommends adopting an integrated approach that combines the best of traditional and modern methods, focusing on connecting Fiqh with reality and developing students' jurisprudential competence. It also stresses the importance of linking Fiqh studies with the principles of jurisprudence (Usul al-Fiqh) and practical application, moving from memorization to analysis and deduction to address contemporary issues.

Keywords: - Curriculum Reform - Quality Fiqh Education - Integrated Approach - Connecting Fiqh with Reality - Jurisprudential Competence

- Contemporary Issues


مـقدمــة

الحمد لله رب العالمين القائل في محكم التنزيل " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين القائل "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" فاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد:

فإن جودة التعليم العالي من بين الموضوعات المطروحة عبر العالم، حيث وضعت الدول المتقدمة مخططات ونماذج لتقييمها، لكن البلدان السائرة في طريق النمو ما تزال متأخرة ومتباينة، ولتحقيق هذه الجودة يتطلب توفير عوامل خاصة، سواء كانت مالية، مادية أو بشرية. وباعتبار أن المواد المدرسة وفق الملفات الوصفية لكل تكوين إضافة إلى الأطر التربوية الساهرة على تنزيل مضمون هذه المواد هي أهم العوامل التي تؤثر على العملية التعليمية؛ فإن كفاءة عضو هيئة التدريس وهندسة الملفات الوصفية تحدد نوعية وجودة العملية التعليمية التعلمية، وبالرجوع إلى شعب الدراسات الإسلامية أو كليات الشريعة وأصول الدين وكذا كليات الحقوق، نجد بأن الفقه باعتباره مادة أساسية حاضر في فصول متعددة وبصيغ متنوعة. لذا بات من الواجب على الأمة الإسلامية أن تعتني بالفقه وتُولِيَه مكانة عالية في كل مؤسساتها العامة والخاصة، وذلك عن طريق برمجته في جميع المستويات التدريسية من التعليم الابتدائي إلى التعليم العالي، والمتتبع للمناهج والبرامج المعتمدة في التعليم العالي يجد الفقه فعلا حاضر بنسب متفاوتة من جامعة لأخرى ومن تخصص لآخر، إضافة إلى المفارقات والاختلافات في المنهج المتبع في تدريسه، مما يفرض على المتخصصين إعطاء المنهج أهمية قصوى في معالجة كل القضايا المتعلقة بالفقه الإسلامي، حتى يتمكن الفقيه من حل مشاكل الناس واستنباط الأحكام الفقهية لنوازلهم المعاصرة والاستجابة لمستجدات العمران البشري والحياة الإنسانية، خاصة إذا ما نظرنا إلى الفوضى العارمة التي يعرفها العالم الإسلامي في مجال الفتوى والإفتاء.

ولا شك أن المتأمل في مادة الفقه الإسلامي ومناهج تدريسها داخل المؤسسات الجامعية يدرك أنها تحتاج إلى إعادة النظر سواء من جهة الوظيفية أو المنهجية التعليمية، نظرا لوجود مجموعة من الإشكالات، من مثل تفكك منظومة العلوم الشرعية مقارنة مع ما كان عليه الحال في القرون الماضية لدى العلماء المشاركين، وضعف الإنتاج الفقهي المعاصر سواء على المستوى الكمي أو المعرفي، ناهيك عن صعوبة تكييف النازلة الفقهية؛ لأن القضايا المعاصرة متداخلة مع بعضها البعض، ومتداخلة مع علوم أخرى كثيرة تكمن معها صعوبة الإحاطة بكل ملابسات المسألة، ولا تكاد توجد قضية من القضايا المعاصرة إلا ولها جوانب متعددة تحتم على الفقيه إمعان النظر العميق فيها من أجل الخروج بحكم يوافق شرع الله ويحقق مقاصد العباد وحاجاتهم.

ومن الإشكالات التي تطرح نفسها أمام دارسي ومدرسي مادة الفقه، عدم وجود منهج واضح في تدريس الفقه بالجامعات، مما يجعل الأستاذ يتأرجح بين هذا المنهج أو ذاك، وبين بعض الاختيارات الذاتية، إضافة إلى قلة الهمة لدى الطالب، الشيء الذي يجعل هذا الأخير غير متمكن من علم الفقه، بل لا يترسخ لديه منهج التفقه أصلاً…

فكيف نرقى بالدرس الفقهي داخل الجامعة؟ وما الوظيفة المنهجية والعلمية للدرس الفقهي؟ وما هي الأدوات والوسائل المنهجية التي تمكن الطالب من النظر في علم الفقه والبحث فيه على بصيرة؟ وأخيرا هل ما يحصله الطالب من معارف فقهية خلال الدروس الجامعية تكسبه الملكة الفقهية أو نسبة مهمة منها؟

للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها تأتي هذه الكلمة متضمنة للمباحث التالية:

المبحث الأول: أهمية مادة الفقه ونسبتها في بعض الملفات الوصفية

المبحث الثاني: مشاكل الدرس الفقهي داخل الجامعات

المبحث الثالث: الوظيفة المنهجية للدرس الفقهي

المبحث الرابع: الوظيفة العملية للدرس الفقهي


المبحث الأول: أهمية مادة الفقه ونسبتها في بعض الملفات الوصفية

أولا: أهمية مادة الفقه

إذا كان الفقه هو الأحكام المستنبطة من النصوص الشرعية، فإنه يكتسب مكانة عالية وجمالية من مكانتها وقدسيتها، من تمسك به وصل، ومن تخلى عنه انخذل، وعن هذه المكانة يقول الإمام القرافي في كتابه الذخيرة: "إن الفقه عماد الحق، ونظام الخلق، ووسيلة السعادة الأبدية، ولباب الرسالة المحمدية، من تحلى بلباسه فقد ساد، ومن بالغ في ضبط معالمه فقد شاد"[1].

ومما تجلى فيه أهمية الفقه أن الله تعالى فضل الفقيه على العابد لأن الله تعالى لا يعبد بجهل، فكلما تضلع الفقيه في معرفة الأحكام الشرعية كان بعيدا عن الوقوع في المزالق والمهالك الدنيوية والأخروية، فقد أخرج البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، والله المعطي وأنا القاسم، ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون.[2]« وأخرج الطبراني في الأوسط أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « قليل الفقه خير من كثير العبادة[3]».

وقد أورد الحافظ ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم حديثا رفعه بعض أهل العلم، وأوقفه البعض على الإمام علي أنه قال: «ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟" قالوا: بلى. قال: "مَن لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيّسهم من روح الله، ولم يؤمّنهم من مكر الله، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا علم ليس فيه تفهم، ولا قراءة ليس فيها تدبر«[4]

ثانيا: تفاوت حاجات الناس إلى الفقه وتفاوت قدراتهم في فهمه واكتسابه:

الناس في حاجاتهم إلى الفقه مثل حاجاتهم إلى الطعام والشراب، فكما تتفاوت في تلك تتفاوت في هذه، فحاجات الناس إلى تعلم مسائل الدين التي يحتاجونها تتفاوت كما تتفاوت قدراتهم ومراتبهم في فهمه واكتسابه بحسب ثقافتهم ومستوياتهم العلمية والعقلية.

لذا ينبغي لطالب العلم أن يلتزم ابتداء بفقه مذهب معين من المذاهب الأربعة؛ لأنه إن لم يلتزم ذلك تاه بين أقوال الفقهاء وبقي بدون مذهب.

ومن المعلوم أن دراسة الفقه تحتاج إلى تدرج فيبدأ بالكتب التي تعالج القضايا الفقهية وفق مذهب معين من غير إثارة مآخذ الأحكام وما فيها من أقوال، فإذا تمكن من فقه مذهب معين وأتقن مجموعة من مصادره ومراجعه، أمكنه الخروج آنذاك إلى كتب الخلاف الفقهي.

وحتى يكون سليما في منهجه عليه أن يبدأ بمتن من المتون الفقهية على مذهب من المذاهب الأربعة المعتبرة، من مثل متن ابن عاشر ورسالة ابن أبي زيد القيرواني في المذهب المالكي، وهذا ما دأب عليه القدامى من أهل الفقه والفهم في تعليم الأبناء والعامة والمبتدئين وجعلوه طريقا في كتابة الفقه.

ثالثا: نسبة الدرس الفقهي في الملف الوصفي للدراسات الإسلامية بالرشيدية

الجذع المشتركمسار التخصص رقم 1: القرآن والحديث ومناهج الفهم والتفسيرالمسار رقم: 2: الفقه والفكر الإسلاميين
فقه العباداتالقواعد الأصولية والفقهيةالفقه المقارن
المواريث فقه الأسرة بين الشريعة والقانون
أصول الفقه1 الاقتصاد الإسلامي وفقه المعاملات المالية
أصول الفقه2 القواعد الأصولية والفقهية
فقه الحديث

نسبة الدرس الفقهي في الملف الوصفي لكلية الشريعة بفاس

الجذع المشتركالمسار 1 :الدراسات الشرعيةالمسار 2 :القضاء والتوثيق
فقه العبادات في الفقه المالكيالخلاف الفقهيالمواريث والوصايا
الزواج والطلاقالمواريث والوصاياالتوثيق العدلي
الولادة والأهلية والنيابة الشرعيةأصول المذاهب الفقهيةأصول الفتوى والقضاء
الحقوق العينيةالتوثيق العدلي
العقود المسماة
فقه المعاوضات
فقه التبرعات
المدخل إلى علم أصول الفقه
القواعد الفقهية والأصولية

المبحث الثاني: أهم مشاكل الدرس الفقهي بالجامعات

مهما بلغت طبيعة العملية التعليمية التعلمية سواء من جهة المرجعيات أو من جهة النسق البيداغوجي المؤسس لها، فإنها لا يمكن أن تحقق الغايات المرجوة منها إلا باستحضار كل الفاعلين فيها والتي منها تتركب العملية التعليمية التعلمية وهي: الأستاذ والطالب والمواد المدروسة والمنهجية المتبعة في تدريس المادة إضافة إلى فضاء التدريس باعتباره المعقل الأساس للعلم والمعرفة،

وسعيا للوصول إلى النتائج المرضية ينبغي لهذه الأطراف والمكونات المشكلة للعملية التعليمية التعلمية أن تعمل بشكل نسقي متداخل، بحيث لا يمكن أن تعمل منفردة أو مستقلة أو معزولة عن بعضها البعض، وكلما وقع خلل في أحد هذه المكونات أدى إلى نتيجة غير مرضية وتسبب في حدوث مجموعة من المشاكل؛ إن من جهة الوظيفة المنهجية، أو الوظيفة العملية.

فمن جهة أولى نجد بعض القصور في أحد هذه المكونات على مستوى الاهتمام أو الجد والاجتهاد، فالأستاذ غير المتخصص مثلا يجد صعوبة في التعامل مع المادة الفقهية وما تحملها من دلالات ومعان تتطلب صبرا كبيرا لسبر أغوارها والإحاطة بكل مضامينها، أما الطالب الذي لا يتوفر على رغبة جامحة وهمة عالية في استيعاب الجزئيات الفقهية فإنه سيشكل عائقا كبيرا أمام السير العادي للدرس الفقهي داخل الجامعة.

فمن المسلم أن الأستاذ هو الأساس في إنجاح العملية التعليمية والتربوية، إذ يتوقف نجاح الجامعة في تحقيق أهدافها على مقدار ما يبذله الأستاذ من نشاط ومقدار ما يمتلكه من تمكن في مادته العلمية واقتدار في ايصالها ورغبة في اعطائها، وأوضحت اليونسكو "أن المقصود بجودة الأستاذ: امتالكه لكفاءات تتصل بالمواد التدريسية وكفاءات تتصل بالطلبة، وأخرى تتصل بالتخطيط للعملية التعليمية وإدارة الصف وتقييم الطلبة وممارسة عالقات إنسانية طيبة وكفاءات مهنية عامة"[5].

ومن جهة ثانية ـ وعلى المستوى الواقعي - نجد الفقه الإسلامي قد ابتلي في هذا الزمان ببعض الآفات التي تقلّل من قيمته العملية، وتَحُدُّ من أدائه المنهجي والوظيفي. ومن أهم هذه الآفات:

ـ تفكك منظومة العلوم الشرعية، حيث لم يعد بين وحداتها ـ في الغالب الأعم ـ ذلك الترابط وتلك التراتبية المفضيين إلى الثمرة العملية، أي الحكم الفقهي. بحيث لا يستطيع الطالب في نهاية الطلب الجامعي استثمار مختلف وحدات العلم الشرعي في إنتاج المعرفة الفقهية.

ـ ضعف الإنتاج الفقهي المعاصر سواء على المستوى الكمي أو المستوى المعرفي وذلك ناتج عن فتور الباحثين عن الاهتمام بالدراسات الفقهية المنصبة عن التراث الفقهي الذي يستطيع حل مشاكل الناس والإجابة عن تساؤلاتهم.

ـ غياب منهج واضح في تدريس الفقه بالجامعات، مما يجعل الأستاذ يتأرجح بين هذا المنهج أو ذاك، وبين بعض الاختيارات الذاتية غير المأمونة العواقب، ويجعل الطالب في نهاية مسيرته الدراسية لا يبلغ منيته من علم الفقه، بل لا يترسخ لديه منهج التفقه أصلاً…

فبالنظر إلى هذه الآفات وغيرها مما لم يذكر، لا نستطيع تحديد السبب الرئيس في عدم أداء الدرس الفقهي مهامه المنوطة به، على اعتبار أن الأسباب متعددة ومتراكمة، فمنها ما يكون ذا طبيعة معرفية أو تربوية، ومنها ما هو راجع إلى التطبيق العملي… والذي ترسخ لدى الدارسين لمادة الفقه بالجامعات أن الأمر يحتاج إلى إصلاح النظام التعليمي الخاص بالعلوم الشرعية وبعبارة أدق إصلاح منهاج تدريس الفقه، باعتباره الدعامة الأقوى في الرفع من جودة الفقه وإرجاعه إلى مكانته اللائقة به.

ـ الإكثار من المداخيل[6] وتضخم الجوانب التاريخية في درس الفقه، عن طريق تغليب الجانب المتعلق بدراسة الأعلام والكتب والمدارس الفقهية والاصطلاحات رغم أهميته ومكانته طبعا… على حساب الاهتمام بصلب الدراسة الفقهية المتمثلة في تكوين ثروة فقهية لدى الطالب وتمكينه من المبادئ الأساسية التي تؤهله إلى الاقتدار على استنباط الحكم الشرعي العملي وفق منهج علمي رصين وواضح يربط بين النصوص الشرعية ومستجدات العصر.


المبحث الثالث: الوظيفة المنهجية للدرس الفقهي

تعتبر الوظيفة المنهجية للدرس الفقهي من أهم الوظائف التي تجب العناية بها داخل المؤسسات الجامعية، فطرق التدريس الناجحة هي الوسائط الكفيلة بنقل المعرفة إلى أذهان الطلبة، لذا لا بد أن تتوفر لدى المدرسين الذخيرة الكافية من هذه الطرق، وكذلك القدرة على استخدام التقنيات والوسائل التعليمية الحديثة المساندة لمفردات المنهج، كي يكون بالإمكان ايصال المعرفة إلى الطلبة باقتدار وكفاءة عالية وهو شرط أساسي لتحقيق الجودة، ومن أجل بناء منهج متكامل لبناء الدرس الفقهي ينبغي مراعاة الضوابط التالية:

1 ـ التنظيم والترتيب

2 ـ آليات النظر والبحث في كتب الفقه

3 ـ عرض الأدلة وفق منهجية تسهل على الطالب الفهم والتمكن من إدراك المسائل الفقهية من مثل الاعتماد على التقسيم والانتقال من الكل إلى الجزء.

4 ـ ربط القضايا الفقهية بأمثلة تطبيقية واقعية وعدم الاقتصار على الفقه الافتراضي قصد بيان المسائل وإيضاحها مما يمكن الطالب من امتلاك رصيد معرفي في باب الفقه يستطيع به مواجهة القضايا التي تعترضه أثناء البحث العلمي، أو داخل سوق الشغل.

5 ـ إشراك الطالب في تنزيل الدرس الفقهي عن طريق الأسئلة الفصلية والإعدادات القبلية.

لا بد لطالب الفقه أن يكون محيطًا بطبيعة الموضوع الذي يدرُسه، وملمًّا بأُسسه، ومن ذلك: ضرورة تحديد المفاهيم؛ دفعًا للبس، ورفعًا للإشكال؛ فكلمة (فقه) لها دلالات لغوية واصطلاحية ينبغي الكشف عنها وتوضيحها.

6 ـ التنوع في أساليب بناء الدرس الفقهي

7 ـ إعطاء المنهج أهمية قصوى في معالجة كل القضايا المتعلقة بالفقه الإسلامي، حتى يتمكن هذا الفقه من الاستجابة لمستجدات العمران البشري ومستجدات الحياة الإنسانية، خاصة مع ما يشهده العالم الإسلامي من فوضى خطيرة في مجال الفتوى والإفتاء.

8 ـ الجمع بين الطريقة المتبعة في بسط المسائل الفقهية بين المصادر الفقهية والمراجع الحديثة.

إن مصادر المعلومات الكاشفة عن القضايا الفقهية المعاصرة عديدة ومتنوعة، تتصدرها مصادر الكتب القديمة وكتب النوازل، لاحتمال وجود سوابق فقهية ونوازل أفتى بها العلماء، إضافة إلى البحوث الأكاديمية المتخصصة، وقرارات المجامع الفقهية والندوات الفقهية المتخصصة سواء كانت على المستوى المحلي العربي الإقليمي الإسلامي أو العالمي، ثم تتبعها مصادر المعلومات الحديثة ومصادر المعلومات الإلكترونية والإنترنت.

مناهج تدريس الفقه قديما

إن المتتبع لكتب القدامى ومناهجهم المتبعة في تدريس مادة الفقه يجدها لا تخرج عن أربعة أنواع وهي:

أولا: منهج السماعات،

ثانيا: منهج الشروح والتفريعات،

ثالثا: منهج التأصيل الفقهي

ورابعا: منهج المختصرات الفقهية.

أولا: منهج فقه السماعات

من أشهر كتب السماعات، المدونة والواضحة والمستخرجة، وأشهر طرق التدريس في هذا المنهج تتمثل في طريقة الإلقاء وطريقة المذاكرة. ومن أساليب التقويم التي اشتهرت في فقه السماعات أسلوب السؤال المباشر وأسلوب المناظرة ثم الامتحان.

ثانيا: منهج الشروح والتفريعات

تعتمد هذه الطريقة على بسط أقوال الفقهاء ومناقشتها، وفتح الباب للمخالف بإبداء الرأي والدفاع عنه، ومن أفضل الكتب المتضمنة للشروح والتفريعات، النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني والمقدمات الممهدات، وكذا البيان والتحصيل لابن رشد).

ثالثا: منهج التأصيل الفقهي

من أشهر مدارس التأصيل الفقهي: مدرسة المحدثين والمفسرين، ومدرسة الفلاسفة والأصوليين، ومدرسة الظاهرية والموحدين.

ويمتاز هذا النوع من كتب الفقه باهتمامه البليغ بفقه الدليل وأسباب الخلاف ورد الفروع إلى الأصول.

وتبعاً لما ذكر فقد أصبحت المراجع الدراسية الفقهية متنوعة تجمع بين شروح نصوص الشريعة كتفاسير آيات الأحكام، مثل أحكام القرآن لابن العربي والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وأحكام القرآن للكيا الهراسي.

وكتب فقه الحديث مثل المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأبي العباس القرطبي . والكتب التي تدرب على ربط الفروع بالأصول كـ”إيضاح المحصول” لأبي عبد الله المازري ومفتاح الوصول إلى علم الأصول للتلمساني و”بداية المجتهد ونهاية المقتصد” لابن رشد الحفيد.


رابعا: منهج المختصرات الفقهية

تعددت مختصرات الفقه وتباينت فيما بينها خصوصا بين القديم والحديث، حيث طغت عند المتأخرين نظرية الجمع بين المتن والشرح على مستوى المحتوى التعليمي، إضافة إلى نظرية الحفظ والفهم على مستوى الطرائق، ومن أهم كتب المختصرات: “مُختصر ابن الحاجب” و”مختصر الشيخ خليل” و”تحفة الحكام” لابن عاصم، ومتن العاصمية لابن عاصم، و”المرشد المعين” لابن عاشر. وقد دخل في هذا المنهج الدراسي بعض التجديد حيث اعتمدت المنظومات في تلقين أحكام الفقه وشرحها.

الطريقة الحديثة

إذا كانت الطريقة الحديثة في تدريس مادة الفقه تمتاز بمجموعة من المميزات، مثل الاعتماد على المناهج الديداكتيكية الحديثة، واستعمال أدوات التواصل وإشراك الطالب في بناء الدرس الفقهي، عن طريق التغذية الراجعة، ومقاربة الكفايات، فإنها تعتورها مجموعة من الاختلالات التي سبقت الإشارة إلى بعضها مثل:

ـ قضية التفكك المنهجي في منظومة العلوم الشرعية، حيث لا يستطيع الطالب في نهاية الطلب الجامعي استثمار مختلف وحدات العلم الشرعي في إنتاج المعرفة الفقهية.

ـ إضافة إلى إهمال ملكة الحفظ والتحصيل الذهني بدعوى أن القدامى كانوا يعتمدون على الحفظ بشكل كبير.

ـ وكذا قضية الاهتمام بالجوانب التاريخية في درس الفقه، حيث ينصب جهد المدرس على مؤيدات الدرس الفقهي بشكل كبير كدراسة الأعلام والكتب والمدارس الفقهية والاصطلاحات… ويقل الاهتمام بصلب الدراسة الفقهية المبنية على القواعد الأصولية والأدوات اللغوية المساعدة على استنباط الحكم الشرعي العملي وفق منهج علمي واضح يربط بين النص الشرعي والنوازل الفقهية المعاصرة.

الجمع بين الطريقتين

من أجل تحقيق الدرس الفقهي للأغراض المرجوة منه وتماشيا مع المستجدات الحديثة، ومراعاة لاهتمامات الطلبة، ينبغي استثمار محصلات المنهجين: القديم والمعاصر، عن طريق تقعيد بعض الأسس النظرية والعملية التي ينبني عليها إصلاح تدريس الفقه فالوصول إلى منهج قويم في تدريس الدرس الفقهي يفرض علينا أن نوجه اهتمامنا إلى ضرورة التأليف بين مستخلصات التقويم التراثي القديم ومستفادات التربية المعاصرة التي لا يمكن إنكار ما تميزت به في العديد من القضايا المعرفية والمنهجية.

وهذا يقتضي من الهياكل الجامعية بكل مكوناتها معالجة بعض الإشكالات ذات الطبيعة المعرفية/الابستمولوجية، لتحقيق مقاربة تشمل مادة الفقه من زاوية الشق البيداغوجي، ووزاوية الشق المعرفي لبناء صيغة عملية لإنجاز الدرس الفقهي الجامعي.

المبحث الرابع: الوظيفة العملية للدرس الفقهي

تتجلى الوظيفة العملية للدرس الفقهي فيما يلي:

1ـ النظر الدقيق في المسائل الفقهية المختلف فيها قصد تبين المنهج المتبع لدى كل فقيه.

2ـ الوقوف على أسباب الخلاف الفقهي وبيان مناهج الفقهاء في التعامل مع الأدلة.

فمعرفة الخلاف الفقهي وأسبابه يمكن الباحث من معرفة أصول المذاهب الفقهية وقواعدها، والمواطن التي يختلف فيها الفقهاء، علاوة على إدراك أنواع الأدلة ووجوه الاعتراضات والمناهج المتبعة في المناظرات، ومقاصد الشرع وقواعد الترجيح، وما أحوجنا في جامعاتنا وخصوصا أمام الدرس الفقهي الجامعي إلى معرفة أسباب الخلاف الفقهي في القضايا الشرعية، يقول الدكتور أحمد البوشيخي: "ولما كان الخلاف الفقهي على هذا القدر من الأهمية فقد توجهت عناية العلماء ـ قديما وحديثا ـ إلى وضع العديد من المؤلفات فيه، وفي كل ما يتصل به من وسائل، ومسائل، وقضايا، إلا أنه مع ه\ه العناية الظاهرة به، والجهود المشكورة التي ب\لت في تقريبه، ونشر مسائله، وبيان أسبابه، وأهميته، وضوابطه، وآدابه، لا يزال بحاجة إلى مزيد بحث وتحرير، وضبط وتقعيد، حتى تتمهل سبل الاستفادة منه، وتتبين الأوجه الصحيحة لتوظيفه في ترشيد مناهج البحث والحجاج، وأساليب المناظرة والتحاج، وابتداع الحلول الناجعة لكل ما يستجد من وقائع وأحداث، تأكيدا لصلاحية شريعة الله في كل زمان ومكان، وقدرتها في كل المجالات على تنظيم وتوجيه حياة الإنسان"[7]

3ـ ربط الجزئيات والفروع الفقهية بالقواعد والضوابط الفقهية الناظمة لها.

4ـ بيان كيفية إعمال الفقهاء للقواعد الأصولية في بناء الفروع على الأصول.

5ـ العناية بالدروس التوجيهية التطبيقية للفقه باعتبارها الجانب العملي المكمل للدرس النظري، والتنزيل الواقعي لمقتضياته.

6 ـ الاستدلال على المسائل الفقهية من النصوص الشرعية.

7 ـ تدريب بعض الطلبة على القيام بدروس نموذجية أمام باقي الطلبة

8 ـ القيام بخرجات ميدانية في أمور العبادات والمعاملات المالية


مراحل دراسة النازلة الفقهية

يمكن حصر منهج دراسة النازلة الفقهية في الأمور التالية:

التصور

والتأصيل

والتنزيل

لدراسة أي نازلة فقهية لا بد من هذه المراحل الثلاثة المتمثلة في التصور والتأصيل والتنزيل، علما بأن أي خلل حصل في إحدى هذه المراحل سيؤثر سلبا على حكم النازلة.

1 ـ تصور النازلة

يعتبر فهم الواقع وتصور النازلة ركنا أساسيا من الأركان التي يبنى عليها الحكم الشرعي، ولمعرفة حقيقة النازلة ينبغي التفريق بين ما إذا كانت النازلة

تشتمل على جزئية واحدة، أو مكونة من عدة مسائل،

فإذا كانت مكونة من جزئية واحدة يجب على الفقيه أن يتعرف عليها لكونها من مسائل عصره لممارسة كثير من الناس لها أو ممارسته لها بدوره أو التعرف عليها من خلال الرجوع إلى الأعراف والقوانين والعقود، أو سؤال أهل الخبرة أو القراءة في الكتب المتخصصة.

أما إذا كانت مركبة من عدة مسائل فيجب على الفقيه أن يفكك النازلة ويدرس كل جزئية على حدة، كما يجب على الباحث الفقيه التعرّفُ على تاريخ النازلة لتأثيره في الحكم. وبعد أن يتصور الفقيه النازلة حق التصور.

2 ـ تأصيل النازلة

يتم تأصيل النازلة عن طريق ردها إلى أصلها، إما بتخريجها على الأصول أو بتخريجها على فرع فقهي موجود سلفًا أو استخراج حكم المسألة.

3 ـ التنزيل

تعتبر مرحلة التنزيل من أهم مراحل التعامل مع النازلة، لأنها المرحلة التي سيستصدر فيها الفقيه الحكم الشرعي للنازلة، وهذا يفرض عليه ضرورة العناية بالتأمل في نصوص الكتاب والسنة لمعرفة حكم المسألة والاهتمام بأصول الفقه وقواعده، والمقاصد الشرعية، وأهمية تنمية الملكة الفقهية وتكوين الذوق الفقهي وأهمية تحرير المصطلحات والدلالات الشرعية واللغوية والعرفية


خاتمة

من خلال هذه الجولة العلمية المباركة مع الدرس الفقهي داخل الجامعات نستنتج أنه يحتل مكانة عالية بين باقي المواد، غير أنه يعاني من مجموعة من المشاكل إن على المستوى الشكلي أو المنهجي، ومن أجل الرقي به وضمان الجودة التعليمية التعلمية بخصوصه نحتاج إلى أساليب علمية تجمع بين القديم والحديث منها:

ـ أن نُركز في تدريس الفقه على إكساب الطلبة المهارات العليا التي تتجاوز الحفظ والفهم، والتي تصل بالمتفقِّه إلى القدرة على التحليل والتركيب والاستنباط والمقارنة،

ـ الارتباط بأصول الفقه؛ لأن الخلَلَ الواقع يكمن في الفصل بين الفقه وأصوله.

ـ فقه الواقع لأن الفقه هو أكثر العلوم الشرعية ارتباطًا بالواقع وبالإنسان، وهو أكثرها مراعاة لأحوال الزمان والمكان.

ـ الجمع بين طريقة القدامى والمحدثين في بناء الدرس الفقهي داخل الجامعات.


لائحة المصادر والمراجع المعتمدة

  1. الذخيرة في فروع المالكية للإمام القرافي لابي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684هـ) تحقيق: محمد حجي، دار الغرب الإسلامي- بيروت الطبعة: الأولى، 1994 م .
  2. صحيح البخاري . = الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامهلمحمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق، محمد زهير بن ناصر الناصر دار طوق النجاة ، الطبعة: الأولى، 1422هـ ،
  3. المعجم الأوسط، أبو القاسم الطبراني (ت: 360هـ) تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد , عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني
  4. دار الحرمين – القاهرة .
  5. جامع بيان العلم وفضله،لأبي عمر يوسف بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ)، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري
  6. دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، 1414 هـ - 1994 م،
  7. حرب، ف.ع.، أبو عودة، ف.، وأبو ملوح، م. مؤشرات الجودة في التعليم العالي. ورقة بحثية مقدمة في المؤتمر التربوي الأول حول التعليم في فلسطين وتغيرات الفقر، فلسطين. (2004).
  8. الخلاف الفقهي دراسة في المفهوم والأسباب والآداب للدكتور أحمد البوشيخي، الناشر : أنفو برنت-فاس.الطبعة الأولى 2002 ..


[1] الذخيرة في فروع المالكية للإمام القرافي لابي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684هـ) تحقيق: محمد حجي، دار الغرب الإسلامي- بيروت الطبعة: الأولى، 1994 م .

1/13.

[2] أخرجه صحيح البخاري .= الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه لمحمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق، محمد زهير بن ناصر الناصر دار طوق النجاة ، الطبعة: الأولى، 1422هـ ،

في كتاب فرض الخمس، باب قول الله تعالى : فإن لله خمسه وللرسول.

[3] أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، أبو القاسم الطبراني (ت: 360هـ) تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد , عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين – القاهرة . 8/8698.

[4] جامع بيان العلم وفضله،لأبي عمر يوسف بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ)، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري

دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، 1414 هـ - 1994 م،2/99.

[5] ـ حرب، ف.ع.، أبو عودة، ف.، وأبو ملوح، م. مؤشرات الجودة في التعليم العالي. ورقة بحثية مقدمة في المؤتمر التربوي الأول حول التعليم في فلسطين وتغيرات الفقر، فلسطين. (2004). ص:820

[6] ـ مسألة المدخل إلى مادة معينة نجدها في مجموعة من الملفات الوصفية، فمثلا في إحدى هاته الملفات الوصفية لمواد الإجازة نجد: المادة الأولى المدخل إلى دراسة علوم القرآن، المادة الثانية المدخل إلى دراسة الحديث، المدخل إلى علم أصول الفقه، المادة الرابعة المدخل إلى دراسة الشريعة، المادة الخامسة المدخل إلى دراسة القانون. الملف الوصفي لسلك الإجازة بكلية الشريعة

[7] _الخلاف الفقهي دراسة في المفهوم والأسباب والآداب للدكتور أحمد البوشيخي، الناشر : أنفو برنت-فاس.الطبعة الأولى 2002 ص: 2.